وسواس - الأرشيف

لم أدخل حياتي قط
كنت فقط أحوم حولها

ـــ

كلما فتحت بابا , سألت :
ماذا أفعل بكل هذا الطريق؟
-أفكر أني سأستطيع به حياكة معطف طويل و أسود
أعلّقه على الباب حتى تبدو الجهة الأخرى فوّهة
-أو أن أقطّع جثث الناس الذين وددت أن يذهبوا
أفرّقها لأجزاء صغيرة ,
ثم أتصالح مع رائحة عفن جثثهم حتى يبدو ذلك كاعتذار
-أن أجمّع الحجارة و أصنع بها كرة أرضية صغيرة
أربطها في قدمي حتى أملك كل الوقت لأفكر بجدوى الخطوة قبل أن أصنعها
-أن أكسر الرجل الرابعة من كل الكراسي حتى لا أجلس قليلا
فتستدلّ علي الأفكار السوداء
-أن أنعي جميع الموتى الذين مشوا إلى طريق القبر وحدهم
و أن أبكي عليهم بصدق كأنما أبكي على عزيز
-أن أجمع الدماء الصغيرة التي فاضت من جروح اليد و القدم
و كان مآلها أن تتشبث بمنديل في سلة المهملات
و أبرّئ العالم من تهمته
و أشرح لها بصدق أنه لا توجد مؤامرات من أي نوع لتصفيتها ,
إنما سوء الحظ هو السبب الوحيد الذي جعلها تمرّ في ذلك الجزء من الجسد
في ذلك الوقت بالذات
-أن استرجع وجوه كل الذين عرفتهم ثم ماتوا,
و أتخيّل أشكالهم الآن بعد اعتداءات مخلوقات الأرض,
و أركّب مذاقات مختلفة في رأسي حتى أصل بنجاح
إلى مذاق الجثة
-أن أجد شكلا لكل شعور ,
حتى يمكنني أن أغضب عليه
فأرى الصداع أياد ٍ تظنّ شعري مستعارا
تحاول اقتلاعه بحماسة و جهد
-أن أعقد محاكمة طويلة مع الهواء ,
على فوضويّته
و تمرير الغبار صديقه الحميم
من تحت ردف الأبواب و النوافذ التي على وشك أن تغلق
و على تظاهره بأنه لصوص يحاولون فتح الباب
حينما أكون وحدي في الليل
يمكنني أن أصنع من الغابة وسادة صغيرة و من السماء فستان
و أن أنحت الجبال أقلاما أنيقة ,

سيكون أي شيء أسهل من أن أخوض هذا الطريق,
و يدي فارغة ..

ـــ 

أحب صوت الكارثة ,
بصوتها المهذب
تقول
إن العالم يسير بخطوات جادّة إلى الخلاص

تمرّ سيارة الإسعاف . لا أتخيل جثّة
أتخيل كرسي فارغ
و هواء

ـــ

خرجتُ اليوم صباحا
فنعق فوق رأسي غراب

شكرتُ اليوم على صراحته

ـــ

ليس في هذا الإتجاه ,
ينجح فاشل . و تسلو أرملة . و يجد فقير مئة ألف صدفة . و يضحك عميقا شخص حضّر أسبابا للبكاء . و تأتي اسئلة الإختبار كما كان متوقعا . و يتذكر ناس ٍ . و يلتقي شخص شخصا فقده قبل خمس سنين . و يجد رجل محفظة نقوده . و يعتذر مخطئ . و تعتدل الأمور من تلقاء نفسها . و يكفّ يده من يؤذي . و يأتي دور الشخص مبكرا في طابور طويل دون سبب واضح . و يذهب الأرق . و يكون للطعام الذي تعدّه السيدة طعم مميز . و تضيء الإشارات في طريق السيارات التي تذهب لمواعيد مهمة . و يأتي على الفور رد طيّب على الرسالة . و تنتهي القصص نهاية سعيدة .

الأشياء التي لا تظنّ أنها تتحقق, تحدث فعلا في طرف آخر من العالم ,
فقط ,ليس في هذا الإتجاه بعد .

ـــ

يصافحني اليوم
فتبدو اليد لوحة كتب عليها : ابحث عن الخطأ
أنا أجتهد ,
و هو يفلت مني , دون أن أرى وجهه
و تمتلئ يدي .

ـــ

لا أرى يد . أرى وهم ساخن . لا أرى هواء . أرى ضحكة ساحرة عجوز
لا أرى أم . أرى مشروع انهيارات . لا أرى ضحكات . أرى صرير باب يتستر على فجيعة
لا أرى كتف . أرى عتبة باب . لا أرى صديق . أرى هزائم رمادية
لا أرى الحائط , أرى الوشاية . لا أرى الوجه , أرى الجثة
لا أرى الطرق على الباب. أرى التلويحة ..

ـــ

على الكرسي ثمّة كلمات كثيرة
ماطار من الفم , و لم تمسكه أذن
جلس ليستريح

هناك على الأرجح
دعاء أم
لم يمهله الباب قليلا حتى يعبر

شتيمة زوجة
الصوت الخفيض جعلها تترنح
و لا تعرف طريقا

الحوارات المتخيلة و الأسماء التي هي لأشخاص ماتوا
و النداءات التي لم تصل
و صوت عجلات السيارات و النفس الطويل

أجلس على كل الكلام
الذي لا يدري إلى أين يذهب

أضع يدي على المنضدّة ,
هذا شيء ساخن
فأفهم أنه اعتذار

ـــ

دعني لديك
أسبوع
استخدمني في أوقات الفراغ
بنيّة المثوبة , خُذني
مهّد طريقي الوعِر للآخرين ,
و أنهِ كل الأمور التي كان يجب علي أن أنهيها في وقتها
و لم أفعل؛ فظلت ترهقني
أصلح لي طريقي
بنيّة المثوبة
و سأمشي بعدها نظيفة
لن أفسد شيئا
أصلح لي طريقي
أنا لن أصلح شيئا ..

ـــ

بهذه الطريقة أحتفظ بمستوى مقبول عن الآخرين
انظر للجمجمة ؛ فيبدو لي أي وجه أجمل دائما من جمجمته .

ـــ

ما يُعجبني في مصافحة الأيدي
أنها لمدة دقيقتين
بشكل مركز و حقيقي
تمنحني أفضل صورة عن الآخرين

ـــ

حينا ً
أصدّق أنه لهذه اليد التي تُمسك بإحكام ,
أكثر من خمسة أصابع ..

ـــ

ما تودّ الثمار البيضاء
من الداخل
شرحه لنا
كلما خرجت نحو العالم بشكل مكشوف :
هذه الأرض تسير حثيثا نحو العتمة .

ـــ
ربما كان علي أن أتحدث قليلا
عن أي شي ,
شتائم أو نكات أو ببساطة كلاما سخيفا
أن أكف عن الابتسام و أفتح فمي للحديث – فقط -
قبل أن يجتمع كل هذا الكلام على هيئة صخرة ثقيلة
تشد قلبي إلى الأرض

ـــ

يا نعمة الطريق الذي لا يسع اثنين
” لا قلبين في جوف أحد ”
هذا هي مساعدة الله لك
كل ما عليك لتقطع هذه السياط التي تلهب رأسك ,
أن تجد لك ِ شيئا ً آخر لتفعله .

ـــ

أفكر
بالملابس التي أهملها قليلا , فتفسد و تمتلئ بالانثناءات ,
و بالمصانع التي تخلط المواد , و تجمدها و تحرقها ,
ثم لابد أن ينشأ دائما من كل ذلك روائح سيئة .
و بالمأكولات السريعة , التي ستسحب معها دائما سرطانا ً تحشره و تمضي.
أفكر في الأمور التي لا يُقصد منها الإحسان ,
ثم حين لا يكون كذلك, يلزم أن تكون سيئة ,
و يحزنني أن الجيد لا يمكن أن يحدث مصادفة .

ـــ

أنا الهوَس الذي لن يهدأ
حتى يجد الخروج الضئيل
عن النوتة ,

لا تعوّل على الجودة ,
ضعني في أي مشهد
و سأتكفل بالباقي .

ـــ

ربما لست جيدة
لكن كان بإمكاني أن أكون أسوأ
حينما لم أفعل .

ـــ

الحزن الذي يتعذر تفسيره :
الظلام الذي وقف لديك حتى يسترد أنفاسه , ثم يكمل .
حينما كان ممتدا قصصتَ يده , فلاذ إلى الخلاء و الزوايا والغرف التي لا يدخلها أحد .
و حيثما جاء أحد , سيسارع في تبديده.
السطوة التي كانت تلف العالم ؛ ثم قُهرت بكبسة زر .

ـــ

الرأس ماء غليظ ,
الذي في حقه أن يتبخر
لو طال بقاؤه .
الذاكرة , فضلا عن أنها لا تفعل
تتجه إلى الجهة الأخرى ,
تتجمد , حتى تكون صخورا صغيرة
تقرع رأسك إذا ما مشيت .

ـــ

أخاف من صوت الضحك
إن علا ,
أن يوقظ الشقاء

ـــ

أنام , كلما حزنت
بهذه الطريقة أفهم كل ما يُسكر .

ـــ

أتابع كيف تأتي الفكرة ثم يأتي نقيضها ,
و أتابع ساعتي الداخلية ,
و يسعدني أنها لا تسير بالدقائق أو الثواني ,
بل ومضات خاطفة ,
أسرع من أن أمسك بها

ـــ

إنه الأرض لا تهتزّ من تحتك ,
و الوفرة ,
و الخيارات الكثيرة , و الرأس لأعلى , و الأثر الذي لا ينساه أحد ,
الطرق الكثيرة لأن تفعل شيئا بشكل سيء ,

و الطريق الصعب و الأوحد و المجهد ,
حتى تفعله بشكل صائب

ـــ

ليست قصبة هوائية
هذه التي تحمل الهواء
إنها أنبوبة من حديد قديم و صدئ
و مثقوب
و هوائي بخار سيارة نفاثة
يحرقني من الداخل و الخارج

ـــ

جفني لا فارغ ولا أسود
من الداخل
و كلما أغمضتُ عيني
أفتحها على عالم صغير
كائناته ملونة و دائرية و تقفز
إني أنام منهكة .

ـــ

دونما قوانين , و أسماء , وحدود واضحة
إني أتوه ,
و دوما أحتاج لتسمية الأشخاص حولي ,
حتى أعرف ماذا أقدّم , و ماذا أمنع
فلا آسى و لا أندم .

ـــ

بالنظر إلى هذه الغربان فوقي
أعرف أن داخل رأسي جيفة

ـــ

حلمت بشخص ٍ أكرهه مخمورا .
حينما استيقظت و أدركت أن لذلك دلالات حسنة ,
لم يسعدني ذلك
أنا - بشكل أكبر - شعرت بالإهانة .

ـــ

أحسد السوء على طمأنينته ,
لا يخاف أن يفسد أكثر .

ـــ

أخاف الرأس المائل , الشعر يغطي العين , الظهر المحني عند الجلوس ,
الفم نصف المفتوح , النظرة إلى البعيد , و الذي يصدف أن يكون فارغاً .
أخاف الفكرة التي لا تحترم لا الناس, و لا الجمع, و لا الأعين التي تنظر ,
الفكرة قليلة اللباقة. غير المسؤولة . التي رغم الآخرين,
تسحب الرأس بعيدا , تاركة الجسد في وضع إهمال .

ـــ

أعرف حياتي
كابنة لوالديّ
كصديقة لصحبي
كاخت لأشقائي
كامرأة للسائق و البوّاب
و الناس في الشارع
أرى ذلك , و أبدو متآلفة معه ,

لكني حين ألتفت إليها فعلا
بوصفها أمر منفصل
و قائم بذاته
أشعر بالغرابة .
و أخشى أني لا أعرف حقا كيف تبدو .

ـــ

الإحسان يؤذيني ,
سماع الكلمة الطيبة , و رؤية الحب , و ملامسته ,
لستُ بخير للحد الذي يجعل من السوء الطريقة الوحيدة التي لا تضرّني . و لا تزيدني سوءا ً
و حينما تكون متقنة , ستشعرني بالتحسّن
أريد شيئا ً يشبه ما أشعر به
شيئا ً أسودا ً و غائرا ً
و نتن . و يؤذي
أريد الفظاظة , و الغدر
و السكين التي تطعن
و الابتسامة التي تتكتم على خيانة
و المفردات التي لا تقال كثيرا ً, و الغضب. أريد الغضب , العذر المقبول لخروج الإنسان عن الإنسان خطوة .
أشاهد فيلما ً فيؤذيني عندما يقول أحد لأحد : it’s gonna be ok
و يؤذيني لو أشاهد حبا ً , أم و طفلها , ابتسامة , اعتناء , خوف الناس على الناس , حب الناس للناس , التفاتتهم الدائمة للبحث عن بعضهم , حجزهم للكراسي المجاورة لأصحابهم القادمين . قدرتهم على الحديث . سهولة أن يبقوا بالقرب . سهولة أن يبكوا . سهولة أن يخافوا . سهولة أن يصرّحوا . توافرهم المطلق . اليد التي تلوّح . الأمان . و الأشخاص الذين يؤكدّون لهم بأنهم قاموا بالاختيارات الصحيحة . و الأشخاص الذين يجبرونهم على التصديق بأنه حتى بالاختيارات الأخرى , ثمة جانب سيء سيجرّ الندم . و الكتف . و اليد . و الضمادة .

ـــ

ليست كلماتي
تلك التي خرجت ,
و ليست يدي التي لوّحت
و لستُ أعني حقّا ً أن أبتسم,
حينما فعلت.

استمع إلى ما أقوله حينما لا أكون مبتسمة
أو سعيدة ,
لأنه حينها فقط سأقول الحقيقة .

ـــ

لو جمعتُ الدقائق الصغيرة بين كلّ شيئين :
الجلوس و الذهاب إلى الغرفة
الاستلقاء على السرير و النوم فعلا ً.
الطريق إلى و من المنازل و المحالّ.
الانتظار على الهاتف حتى يردّ الطرف الآخر

و صنعت منها ساعة طويلة
تشبه بقعة سوداء متكثـّفة . يمكنك تحديد مركزها .
غائرة , لكنها تحوي شغلا ً حقيقيا ً,
لا يمكن للمرء أثناءه أن ينفصل عنه
” أشغال شاقّة في سجن مثلا؟ ”

سيبدو هذا أفضل حالا ً
من مشاهدة كل هذه الأفكار السيئة
تقفز أمامي .

ـــ

أريد من الأيام السعيدة أن تجلس جواري حينما أحزن ,
تُذكّرني بنفسها حينما أبدأ باستعراض حياتي فتبدو لي باهتة و رخيصة .
أودّ أن أتذكر الأيام التي أشعر أثناءها أنّه لا ينقصني شيء ؛
لأني - يارب - لا أريد حقا ًأن أسخط

ـــ

يفسد أعصابي رؤية سلك مشدود
و انتظار أن يتعثّر به أحد , أو يسقط طرفاه , أو ينقطع
أو يظل - دون أن يفسد شيئا ً - يقول كلمة واحدة بصوت واحد و بتكرار مؤذي :
حافّة .

ـــ

التمهّل , يلتقط للخطوة ألف صورة
قبل أن يُصدرها
ثمّ عند سوء التصرّف, يُلاحقني بها
و هو يقول : ماهو العذر الآن؟

ـــ

سيغدو شاهدا ً عليك :
عقد الحاجبين ,
رفعهما
و الابتسامة .

الانثناءات التي تظهر على وجهك
عندما تفعل ذلك
ستصبح كتاب جيب إرشادي
عن حياتك الماضية
على هيئة تجاعيد .

حسب الأعمق منها ,
و الأسرع ظهورا ً
سيعرف الناس , دونما سؤال
إن كنت – في سابق عهدك - متجهما دائما
مبتسما دائما
أو مأخوذا بغرابة العرض الدرامي للحياة
فلزمت الدهشة.

ـــ

حقيبة السفر ,
مركونة في العليّة ,
تتمدد , نائمة . طويلا ً.
حتى أنها نسيت كيف يبدو العالم في الخارج
في يوم ٍ ما , ستسحبها يد
دونما سابق اخطار
فتجرّها آلاف الكيلومترات
و ستحتاج لوقت ٍ طويل
حتى تعتاد الخارج
حينها تماما ,
سوف تُعاد للعليّة
مركونة مجددا ً
و ستسأل , كيف يبدو الثبات؟

ـــ

المكواة في يدي ,
تـُقوّم الانحناءات
بالضغط , و الحرارة
الصيغ الأخرى للإجبار

و تشرح جيّدا ,
كم تحتاج الاستقامة
إلى يد ثقيلة .

ـــ

أنا :

- صوت صفارة إنذار .
- صوت تنبيه حريق .
- صوت بطارية ستفرغ .

الأصوات التي تأتي نذيرَ السوء .
تحمل البغض سناما ً فوقها.
لا تراه .
ثم تفكّر : لمَ تبدو غير مرغوبة و لا مُنتظرة,
و هي تأتي بنيّة طيبة دائما ً؟

- موجة صوتيّة طويلة
تجرّ بعضها
تتطلّع لجدار ٍ يردّها صدى .

ـــ

حلمتُ أن الله استمع لي
حقق لي أمنيتي التي تحمل طرف سكين,
و تلتمع كضوء أبدي في العتمة .

أمنياتي التي تأتي بصياغات كثيرة
تتكئ على قاعدة واحدة :
اجعلني أفقد ذاكرتي .

جعلني الله أخيراً, في حلمي
لكن بطريقة مختلفة,
أن سمح َ لي بفقدان ذاكرة يوم واحد
ليتركني أجرب الحال .

جرّبت, و رُعبت بالحكايات التي يقولها الأشخاص الذين أقابلهم عنّي
و أنا غير قادرة على تكذبيهم, مضطرة_ أيضا ً _ أن أتظاهر بأني أتذكر جيدا ً ما يقولونه .
فزعتُ من حياتي الموزّعة في أفواه الآخرين
بدون إمتلاكي لنسخة
يُمكنني المطابقة منها.

ـــ

مادمتُ ثابتة إنـّي بخير
المهم ألا أتحرك,
ألا أحاول التقدم
أو الرجوع

ألا أحاول الإصلاح أو التعديل,
لأني في كل محاولة, أسوء أكثر .

الجثّة ما دامت ساكنة ترتفع عن الماء
فتنجو ,
و كلما حاولت النجاة فعلا ً,
غرقت.

ـــ

بودّي لو أميل قليلا ً
فاقترب من أذن الموت
و أهمس له كلّما اقترب :
اذهب هناك
سيكون أحدٌ ما ينتظرك
بعد شخص أو اثنين
ستجد ضالتك
شخصٌ مُرّحب
ينتظر على عتبة باب

ـــ

كل صباح
ألمح حافلة كبيرة ,
معبئة بأطفال مرتبين؛
أشكالهم تُخبر
أن وراءهم أهالي مُحبّون .

أنظر إلى السائق,
أشفق عليه ,
أن يجرّ عربة ثقيلة ,
محشوّة عن آخرها
بآمال الأمهات .

ـــ

الحياة
بما فيها
في كفة
و رأسي في الكفة الأخرى ,
يرجح رأسي

ـــ

أنظر للقميص الجديد ,
الذي يحظى بإهتمام مؤقت .
و أفكر أن التراجع في حياته
متوّفر بسهولة .
منوط باتفاق العاملين :
” 3 أيام إرجاع. 7 أيام إستبدال ”

ـــ

كلما جلسنا معا ً,
نتكلم كثيرا ً,
ألتفت إلى جدتي بغتة؛
أجدها صامتة تفكّر
فأشعر أن الحجرة مائلة جهتها .

ـــ

الكلمة التي أقولها مجاملة
و أود أن لا يصدقها الطرف الآخر كثيرا ً
أتمنى لو أنها تطرق على رأسها إذا وصلت
ليكتشف_ هذا الطرف الآخر _ أن
قوامها من البلاستيك.

ـــ

أنا :
لا ألزم شيئا ً.
مثل الجدار الذي يريد أن ينقضّ
و لم يُقمه أحد .

ـــ

حينما أنام
أريد أن أحلم بغابة
أو أشخاص ٍ قدامى ,
أو حتى وجوه لا أعرفها .

أمطار. ثلوج. حفلة أصوات صاخبة ,
أو حتى أن أسقط من أعلى جبل,
أشياء لا يمكن لها أن تحدث لي فعلا ً.

مناماتي, النشرة المفصّلة لأحداث يومي.
تفاصيل و تتمات واقعية , و ممكنة .
خيط حياتي الذي يجرّ نفسه
دون أن ينتظر صحوي.

انعدام الخيال مُحزن.
و كأني لا أنام
هذا حقا ًمُضني

ـــ

دعنا نتبادل المدائح
الفضفاضة و الواسعة
و التي قليلا ما تأتي على المقاس
سيؤذي هذا أكثر ,
لأنه سيبدو ابتسامة سخرية
و هو يشير إلى النقص
دعنا نفعل ذلك , فهو بعيدا عن فعاليته الأكبر
لن يُلفت أحدا ً.

ـــ

إن أفضل ما يمكنكم به معاقبتي ,
هو أن تُظهروا لطفكم البالغ تجاهي
بلا أسباب واضحة .
لن أسعد بهذا ,
بل سأغتمّ
و ستفتحون لي أبواب الجحيم

لأني سأتوقف , لألتفت لنفسي لحظة
و حينها سأقع في قعر حفرة ,
عميقة و سوداء

ـــ

تستفزّني أيادي النائمين ,
أكفّهم المقبوضة ؛ أو على وشك

و يستفزني التفكير
أن العمر بطوله
لن يُفلح
في حلّ عقدة , استلزم ربطها
تسعة أشهر فقط .

ـــ
أكتب مرة أخرى - ألتقي بأحد ٍ مرة أخرى - أهاتف أحدا ً مرة أخرى

محاولاتي الأخرى دائما هي أفكار لمواراة فشل المرة السابقة .
كلّ أفعالي مؤخرا ً محاولات تغطية .

ـــ

سأكون أكثر أمنا ً , لو توقّف الآخرون عن انتظار الجيّد منّي :
أمي عن سؤالها لي بالخروج .
صديقاتي عن الرد على المكالمات الفائتة .
الناس عن رفع ما سقط ,
أو الإعتناء بما بقي ,
أو إزالة العوالق .

مُجهد أنني أضطر لتخييب الأمل كل مرة
للأسباب نفسها .

ـــ

يقول الانتقام :

” أنا لا أسرق,
و يدي نظيفة.

أنا فقط أعيد القطعة
إلى مكانها الصحيح

ـــ

الآن ,
أريد حقا ًأن أكون داخل عزاء مزدحم
لنساء ٍ متفجعات , يلطِمن ,
و لا يوجد من يُذكرهن بثواب الصبر

ـــ

ملابس الشتاء ,
يا نعيم الدفء .
ما الحاجة الآن
إلى أيادي الأصدقاء !

ـــ

أنا :
صديقة على هيئة لوحة حائط ,
على هيئة مقبض باب ,
على هيئة ارتداد صوتي .
لا تسأل كثيرا ً . لا تطلب كثيرا ً
و لا تعطي شيئا ً.
لها رائحة المنظفات, و تنظر بعينٍ واحدة .
ساكنة أغلب الحال .
يُمكنك حملها في حقيبة يدوية .و استعراضها في أوقات الملل .
تصلح كواقي شمس , و تفسد بكثرة الاستخدام
كتُب عليها : للاستعمال الخارجي فقط.
يمكن أن تفيد في حالات الاضطرار .

لكن إيّاك,
إيّاك,
أن تسنُدَ يدكَ عليها,

لأنك لا محالة
ستسقط.

ـــ

حينما أشعر أني لا أود العيش
و لا أودّ الموت
أتذكر أن الأرض ليس لها حافـّة,
تُعبّر عن الأبد ,
بشكلها الكرويّ .

ـــ

المسنّون
عرفوا أخيرا ً
أن الوقت خديعة
فصاروا يفعلون كل شيء
على مهل .

ـــ

منامات الليل
التي نركض لتفسيرها
فتصير رؤى ,
تمنحنا كذبة
أنّا نملك مصائرنا .

ـــ

ستظل تلعن الناس
و الأصدقاء
الذين ليسوا أصدقاء
و ستسبّ الدنيا
التي تُضمر لك الشرّ
و أبويك, الذين تستحق أفضل منهم .
و البيت الذي لا يناسبك .
وحجرتك التي هي أضيق من جحر .
و ملابسك القديمة و المكررة .
كل هذا ,
لأنك وجدت َ نفسك
لسبب واحدٍ فقط
حزين .

ـــ

الشارع ,
الذي يُخبّئ تحت اسفلته الأسود
أحاديث الناس الذين مشوا عليه
و كلمات السِباب الطويلة
بين السائقين
سيثأر يوما ً,
للاقدام التي تمسح وجهه
و يخلق حفرة طويلة
بلا سبب.

ـــ

أرى ضحكات الاطفال
و أودّ قتل الذي يقول لهم
أن يُخفضوها .

العمر طويل ٌ لأنْ يُخفضوها .

ـــ

الكراهية مخلوقات صغيرة.
يُمكن أن تتمثل على شكل مسدّس
و تؤذي .
مهما جاهدت
أن يبقى المسدس في الجيب.

الكراهيّة, إن لم تُوزّعها على الطاولة
و الكرسي
و قدمك
و إن لم تصفق بها بابا ً,
و تقذف بها إطار الصورة ,
سوف تصير ُ المسدس
الذي يؤذي أحدا

ـــ

أنا :

شأن تكميلي .
مثل زرّ ٍ أخير
في قميص

ـــ

لو أنّك تعلّمت النّاس منذ البدء
لما أصبح حالك مزريا ً كلما أوذيت .

لو أنك استلقيت على سرير بمسمار واحد ٍ لقتلك,
لو أنك استلقيت على سرير ٍ بمسامير كثيرة ,
ستنام .

ـــ

أنت مشبك الشعر,
لن يُتعب أحدٌ نفسه بالتقاطه من الأرض, لأنه بلا قيمة .
لكن بإمكانه حينما ينغرز في القدم؛ أن يؤذي .

ـــ

فكرة تأتي من الزحام:
قريبا ً, سيتم ردم فمي لإنتفاء الحاجة .
كُلّما فكّرت في الذي سأقوله , أحذف كثير من الكلمات التي لا داع ِ لها .
ثمّ أخيرا ً أقرر أن كلامي كله لا داع ٍ له

فكرة أخرى من الزحام
الناس مسامير تحت قدميّ .
إمّا حذاء, و إما ألاّ أخطو .

ـــ

أسمع صوت احتكاك كيس بلاستيكي بالأرضية, يستغرق نغمة واحدة رتيبة و متواصلة.
لو كان لهذا الصوت اسم, سيكون : الاصرار .
- أحلم بربطة شعر صفراء .
لو كان لها اسم, سيكون : فظاظة .

ـــ

استماتتي في إصلاح أمر ٍ ما, تقابل السهولة المُفرطة في نسفـِه.
الجيّد الذي يُكلّف طويلا ً ليصبح جيّداً, يحتاج دقيقة واحدة ليفسَد .
الجيّد الذي لا يُصبح جيدا ًإلا بشِقّ النفس,
لو غفلت عنه طرفة عين ٍ ساء.

و يُشعرني ذلك؛ استماتتي في إصلاح أمر ٍ ما, ثمّ سهولة افساده؛
أنّي أنفق حياتي في هراء .

ـــ

أتخيل حياتي منشفة
سوداء .
فيها ثقوب واسعة .
مهلهلة ,
و ربما برائحة .

كل الذي أحتاجه
حوض, و ماء وافر
و أحصل على عمر نظيف .

-

أتخيل ذكرياتي سوط

أتذكر شكله
و أعرف أنه بعيد
قدرَ استحالة أن يصل لي

لكن صوت ضربه للهواء
كفيل ٌ بجعلي حزينة .

-

أتخيل أفكاري ذباب ,
لحوح و ذو نوايا سيئة .
يحوم و يحطّ عليّ ,
حتى يمنحني سببا ً لقتله
وكلمّا أحسست بأن ذلك سهل و سخيف؛
أرى أنها تفرّ أسرع .

-

أتخيل أصدقائي يد
تُمسك جيّدا,
و تدفع بإتقان

لكنها بلا أعين .

-
أتخيل حُزني رغيف
داخل كيس بلاستيكي,
للتو فاحت منه رائحة نتن .

-
أتخيّل فرحي
لذعة جوع

ـــ

أكثر ما أودّ فعله الآن ,
التخلص من كل هذا الزحام بطريقة رحيمة .
“1″ التي سينفذ منها صوتها باكراً لكثرة ما تنفقه في الضحك والبكاء والشكوى؛ أتمنى لو تكون ساعة منبه, ليكون عليّ دوما ً إسكاتها بالقوة .
” 2 ” المملة إلى حد ٍ غير مزعج . تُعدّ الأحاديث للناس قبل قدومهم و تحفظها جيداً لئلا تكون مملة, و تكون في النهاية مملة بدرجة أقل.
تتحدث عن أمها و أبيها و جارتها و أقربائها , و تقول الحديث نفسه لخمسة أشخاص في يوم واحد , أتمنى لو كانت منشفة. لتأخذ, و لا تردّ.
” 3 ” المتطلّبة . التي تُجهدني و تُشعرني دوما ً _ دون قصد _ أني سيئة بدرجة لا تُحتمل , أتمنى لو كانت باب غرفتي, ليتسنى لي أن أدفعها بقدمي كل يوم .
” 4″ و ” 5 ” و ” 10 ”
سأخسر ناس . سأكسب أشياء أعاملها بطريقة تليق بها .

ـــ

أنت فرقعة صوت
مزعجة و تجلب الإنتباه .
لكنها لن تستمرّ للحظة التي تليها .

ـــ

أفسدني أبي ,
حيث ُ جعلني أعتاد
أن أدخل غرفتي , غاضبة .
ثمّ أخرج منها
لأجد كل الذي أريد

أفسدني أبي
حيث ُالدنيا لا تسمع غضبي ,
و لا تغفر حيازة آباء طيبين

ـــ

ليس ذنب الآخرين
أنّك لا تعبر عن حاجاتك
بكلمات قليلة و واضحة
ليس ذنب الآخرين
أنك تحتاج إلى شخص
يقف بجانبك دوما ً ليسألك :
هل أنت َ بخير؟
هل تحتاج شيئا ً؟
هل أستطيع مساعدتك؟
ليس ذنب الآخرين
أنك الصوت الثاني في كل شيء
الآخرون
الذين لا ينتظرون طويلا ً
حتى يجدوا البديل المناسب

ـــ

عمري واقف
في شارع يصل بين مدينتين
تدهسه السيارات
أحاول اقناعه بجدوى التقدم خطوة إلى الأمام
أو الرجوع خطوة للخلف
لكنه يُعامل صوتي
كطنين ذبابة
لا يكلّف نفسه
عناء الاستهزاء بها .

ـــ

رأسي منضدة
في مطبخ
في بيت
لدى الأشخاص الذين يُزارون باستمرار
و يكون عليهم دائما ًأن يُعدّوا شيئا ً لتقديمه .

رأسي لاقط
لكل الأفكار السيئة
التي يُمكن أن تطرأ على بشر.

ـــ

أحتاج صوتا ً أثق به ,
صوتا ً أعرف أنه لا يتحيّز لي
عندما يقول
أنـّي لست بالسوء الذي أتخيله .

ـــ

في رأسي أقوام ٌ كثير .
ليسوا على وفاق .

ـــ

لا تلتمس لي سبعين عذرا ً.
كل إساءاتي معنيّة

ـــ

عندما تمتدحني أمّي بحماسة و بلا مناسبة؛
أعلم أنّي بدوتُ بائسة حدّ شعور الآخرين بضرورة التدخّل.

ـــ

متى تصدّق أنك كلمات محشورة في الهامش ؟
لم يكفي أنها موضوعة تحت السطر؛ فكُتبت بخط ٍ صغير .

ـــ

أحشائي تسبح في زيت للقلي
ليس ساخناً,
بل أسود من كثرة الاستعمال ,

أي صوت, سيبعث ما ركد,
غاضبا ً,
فاته الكثير, و لم يوقظه أحد .

ـــ

ذنب درجة السلم الأخيرة,
التي لا تحظى بامتيازات درجات السلم العلوية :
منظر علوي, وثقل أخفّ, و هواء أنظف,
كل ذنبها, أنها كانت الأقرب, ليد النجّار.

ـــ

كغبار فوق اطار النافذة العلوي,
ابق َ منسيّا, بلا حراك

الدنيا تستدلّ على الأشخاص
من أصواتهم,
اصمت أبدا ً, و لن تلحظك.

ـــ

الرصاصة ستسأل الجسد وهي حزينة :
لماذا حينما أتيتْ سكت الجميع؟

ـــ

الفكرة التي أودّ أن أكتبها و لا أستطيع,
تشجب بأن تحبسني في غرفة مقاس 2 × 2
بإضاءة صفراء واحدة, تصدر أزيزا

ـــ
جوفي بُحيرة راكدة .
يسقط حجر؛ تستيقظ ذكرياتي السيئة .

ـــ

حتى حينما أرغبُ بصدق ٍ في شيء؛
لا أُجهد في تحصيله.

ـــ
الريل بلاير يتحدّث
أزرار الكيبورد تتحدث
أختي في الهاتف تتحدث
صوت الطابعة يتحدث
أمي تتحدث
التلفاز يتحدث
صوت الماء يُصبّ في الكأس يتحدث
و أنا لم أزل أسمع صوت الفكرة السيئة يكبر في رأسي

ـــ

اليوم و أنا أفكر بالمواقف القديمة
و أنظر إليها جيّداً
أفسّرها برويّة. و بلا ضغائن
رأيتُ : كم يُعمي الحب .
ماكان الأشخاص الذين أحببتهم بذاك الجمال
و ماكانت كل المواقف طيبة
و كنتُ أغلو فيهم حتى عميت
و حتى أنـّي لم أرَ كم هم مكررون. متشابهون. و سخيفون أحيانا ً.

ليس الكره. و لكن عدم الحب : هو الراحة و السلام.
أحب كل الناس اليوم بصفة ٍ أقل
و مرتاحة

ـــ

حياتي تمضي في خط ٍ مستقيم
علاقاتي تمضي في خط ٍ مستقيم
حالتي النفسية تمضي في خط ٍ مستقيم

لا شيء يصبح أعمق . و لا شيء يسوء
كل شيء ينسخ نفسه .

ـــ

لا أطمح للكثير
اهتمام و حب صغير
ثم أرتاح و أستطيع أن أكمل حياتي
و الناس لا يرضون بالثبات
يجب أن نكون اليوم أقرب من أمس
و غدا ً من اليوم
إذا لم تتحسن الأمور فيجب أن تسوء

أمّا لدي, إذا لم تتحسن فمَ العيب في أن تثبت

ـــ

إنـّي الرقم الفردي دائما ً
الذي يجيء و قد تقسّم الناس أزواجا ً
ثمّ لا يجدُ له محلا ً
إلا أن يتطفل.

ـــ
أهرب من رؤية الأشياء التي نالت عناية فائقة. ثم لم تزل رديئة :
التي يظنّها أصحابها أشياء ثمينة و حقيقية. و يُولونها اهتماما ً صادقا ً. و تنالُ منهم اعجاب وافر.
و أنا أرى من علو أنهاٍ رديئة.
أبتئِس حين رؤيتي فستان طفلة حرِصت أمها على جعلها جميلة.
و تتّضح فيه نيّة صانعه الطيبة بأن يبدو فريدا ً.
ثمّ لم يزل بائسا ً و مثيرا ً للشفقة.

- أهرب من وجه جدتي حينما أسلّم عليها :
لأني لا أحب النظر في وجوه الكبيرات.
فيها الزمن معلّق.
و أستبين من التجاعيد وجه جدي و عماتي اللاتي مُتن وتركنها.
و في صوتها الذي لا يتحدّث - إلا في الصلاة - حمْد ٌ كثير.
و يحدثُ أنـّي كلما سلمّت عليها؛ ضغطت على يدي.
كوسيلة التعبير الوحيدة عن شوقها.
هي التي لم تعد تستطيع الحديث.
ولا أنظر إليها.

- أهرب من أحاديث ِ النساء:
لأنها مأساوية دائما ً و تستدرّ العطف.
و يكون في حوزتي دائما ً تساؤل حقيقي و صادق لكنّي لأجل العيب أكتمه.

ـــ

إن الرجل الذي كان يجلسُ معك و أنت تعلمُ أن جـُلّ أحاديثه ِ مختلقة و سخيفة و تفيضُ بالتناقضات, الذي ألمحتَ له مرة أن كلامه الآن يعارض ما قاله قبل ساعة؛ ثمّ حاول المواراة. و ألمحتُ له مرة أخرى أنكَ قرأت قصة مشابهة كالتي يزعم أنه بطلها ثم حاول المواراة. الذي يـُمضي الوقت يتحدث عن أشخاصٍ تعرفهم - ليس بالضرورة أن تحبهم - يكيلُ لهم ذماً طويلاً و متصلاً يجرّ بعضه بعضاً, ثمّ يستشهدُ على صحّة حكمه بأحداث ٍ كانوا فيها جـُلاّداً وهو الضحية.
الرجل الذي لم تعد تطيق احتماله مؤخراً فانفجرت فيه أنك لا تستطيع ُ بهِ صبراً وهو لا ينطقُ الا بكذب ٍ أو غيبة؛
ليس سوى الرجل الذي أرادَ تمضية أطول وقت معك, ولو على سبيل الكذب و الغيبة.

ـــ

بالاستناد إلى القول القائل : ” و بضدّها تتميزُ الأشياءُ “, نـُعبّر لك عن حاجتنا المتُعاظمة إليك,
إلى كلماتك, تعليقاتك, أحاديثك التي تـُقاطَع من المنتصف - أو قبل بقليل - .
سنمتنُّ لكَ كثيراً لو حادثت كل من نعرف, أو كل من نتوقع أننا سنمرّ عليهم يوما ً ما, لو ظهرت في كل محفل, و شاركت في كل حديث, و سبقتنا بقليل إلى حيث ُ نريد أن نذهب, سبقتنا قدر َ أن يحتفظ الناس بانطباع ٍ صغير ٍ و راسخ عنك.
نحتاجك - أنتَ بالغ السوء- حتى اذا ما أتينا؛ تتجلّى قيمتنا الحقيقية.
و تكبر.
كل شيء خلقـَهُ بقدر, تخيّل أنك مع سوئك مطلوب و مـُحتاج ٌ إليك؟

ـــ

علّمتني,
أنـّي دونكَ يارب نقطة بائسة و مسحوقة .
نقطة ليس لها رأس,
كـُلها قدمٌ واحدة, تمشي نحو َ السوء.

علّمتني أني شيء يجبُ أن يسبق تجاهله يوم َ القيامة اعتياده على ” و كذلك اليوم تـُنسى ”
فيُنسى الآن,
قبل الخطوة الأخيرة .
يُنسى حتى يعتاد .

منسيّة .
و أستحي أن أقول : يارب اذكرني ..

ـــ

مسكين ٌهو الصوت ُالأخير في كل حديث .
لأنه لا يـُنسى .
ثمّ يظلّ يتكرر على نحو ٍ حزين في رؤوس الجميع.
كلمة كلمة كلمة .
يتكرر مثلَ دقّات الساعة .
متتابع و مستفزّ .

يكبر
و يعيش
حتى ينمو فوقه صوتٌ آخر .

مسكين .
يتذكّره الجميع, ولا يردّ عليه أحد .

ـــ

س : لم َ لا يلتفتُ إليكَ أحد؟
ج : لأنك كثيرُ الصراخ .

و دائما ً تقول :” الحياة سيئة . الناس سيئون . و الوضع لا يـُحتمل “.
و لا أحد يـُقدّر القيمة الحقيقية للخير الذي تفعله . و دائما ً يتقصّدون ايذاءك . أنتَ الطاهر و هـُم اللـُـطخ .
و تجعلُ من مشاكلكَ الصغيرة شأنا ً عاماً تـُشرك به الناس, و تنتظر منهم تعاطفهم . أنتَ القضيّة الأهم التي يجب أن تـُشغل و لا يـُطرق سواها.
و إن حضرتَ أرغمت الناس على الخوض في لجج ِ حكاياتكِ الحزينة . و حكيتها , ثم حكيتها , ثم أرهقتها حتى تجدَ بديلا ً .

و دائما ً تقول : هم يتعمدون تجاهلي . هـُمّ يرونَ أنـّي أملكُ الكثير لكن لأنه أنا لا يلتفتون, و لو أنّه كان من سواي َ لهبّوا له. و تكرر : انظروهم يرفعون أبصارهم عنـّي ولا يـُبصرون.
و لا يكفيكَ إحساسكُ بذلك, أنتَ تـُصرّح به لأنك تظنّ أنهم ربما كفّوا .

و تتصاغر كل يوم ٍ أكثر حتى تنال الشفقة عن استحقـاق, و لا تكفّ عن القول : أنا مسكين ٌ فالتفتوا .

… و هم كلّما سمعوك, أعرضوا عنكَ أكثر .

س : لم َ لا يلتفتُ إليكَ أحد؟
ج : لأنك كثير ٌ و مكرر

ـــ

أعرف أن هذا مـُضرّ . لكنّي أفعله .

أشربُ الكثير من المشروبات الغازيّة . آكل الكثير من الوجبات السريعة . أهتم لإجراءات السلامة بشكل ٍ أقل . أنامُ كثيراً في بعض الأيام, ثم لا أنام إلا لمماً في الأخرى, و ما وطئتُ جانب الوسط أبداً . لا أضع كريمات وقاية بشرة. لا آكل فيتامينات . لا أهتم بالتغذية . لا أحفل بجمال مظهري على الأجل الطويل, يهمّني فقط أن يكون جميلاً متى رغبت, لهذا اجراءاتي سريعة و وقتيّة و تزول سريعا ً.
هذا يجلبُ التجاعيد بعد مدة و أفعله . هذا يجلبُ ألم العظام بعد مدة و أفعله . هذا ربما سبب السرطان و أفعله . هذا يُضعف الجسم, هذا يقتله, لكنّي أفـعل .
إيماني بطول ِ عمري يقلّ . إيماني أني سأعيش طويلا ً يموت . لهذا لا أستعدّ لطول العمر ِ في شيء . و تعاملاتي مع الغدّ القصيّ تأخذ طابعا ً درامياً, أقوله لكنـّي لا أصدّقه أبداً.

…. ثم في لحظة صغيرة - ضئيلة لكنها راسخة, و لأنها ضئيلة لا يـُلتفتُ إليها - , ثمّ في هذه اللحظة, أشفق على جسدي . و لا أفعلُ حيالَ ذلك شيئاً أبـداً ..

ـــ

قطعة أثاث بهتُ لونها في جزء صغير و واضح . كتاب مـُهمل بعنوان ٍ لا يجذب . طعام مـُلقى - لم يزل صالحاً - ينتظر أحداً ليزيله . قلم بلا غطاء لكنه لا يزال يكتب . دفتر مستعمل يحتفظ بأوراق نظيفة مـُوزّعة و غير متتالية :
هؤلاء همّ أنـا.

إنـّي أنتمي لصنف ِ الجمادات ِ أكثر . و إنـّي دوماً أحتاج لأحد ٍ يمسك بيدي, يـرفعني من مكاني, يخبرني و يدلني .

و إني لا أتحدث إلا شيئا ً يسيراً. و الأهم : أنـّي دوماً أتوقف عن الحركة, و في رأسي ألفُ أمر ٍ و أمر ٍ مرسول و جسمي مـُعطّلٌ لا يستجيب . أحتاج على الدوام شخصاً يقول لي : ابدئي, لأبدأ.

و إنـّي فعليّا ً أنتظر أن يـُحرّكني أحد …

ـــ

كلمّا أقدمتُ على خطأ أتحرّى ساعة غضبك عليّ يا الله, أتفهمها جداً لكنّي لا أتوّرع عن معاودة الخطأ, لا أتوّرع و أنا غير عامدة. ربما أحياناً عامدة لكن ليس كل الوقت. حينما أفعل و يبدأ كل شيء ٍ يسوء حولي أعلمُ أن ذاك منك حتى أفهم. و أفهم لكنّي أعود . ليس هذا ما أردتُ قوله, أردتُ أن أقول أنـّي كلما أخطأتُ و ساء الأمر سألت: لمَ يسوء معي أنا و لا يسوء مع كل الذين يـُشاركوني الخطأ الآن؟ ثمّ استغفر . يطرقني أنه شيءٌ جيّد, هذا يعني أن أخطائي مازالت قليلة حتى يـُجدي معها اسلوب العقاب. يارب, إذا وصلتُ إلى مرحلة أخطئ فيها ثم أجد أموري تتحسن, ولا تعاقبني, سأفهم أني وصلت إلى درجة مرتفعة من السوء. و لن أفرح. يارب لا تتوقف عن معاقبــتي …